الشيخ المحمودي

46

نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة

أأقنع من نفسي بأن يقال [ لي ] أمير المؤمنين ولا أشاركهم في مكاره الدّهر ، أو أكون أسوة لهم في جشوبة العيش « 14 » فما خلقت ليشغلني أكل الطّيّبات كالبهيمة المربوطة همّها علفها ، أو المرسلة شغلها تقمّمها تكترش من أعلافها وتلهو عمّا يراد بها ، أو أترك سدى وأهمل عابثا ، أو أجرّ حبل الضّلالة ، أو أعتسف طريق المتاهة « 15 » . وكأنّي بقائلكم يقول : « إذا كان هذا قوت ابن أبي طالب فقد قعد به الضّعف عن قتال الأقران ، ومنازلة الشّجعان » . ألا وإنّ الشّجرة البرّية أصلب عودا ، والرّوائع الخضرة أرقّ جلودا ، والنّباتات البدويّة أقوى وقودا وأبطأ خمودا ، وأنا من رسول اللّه كالصّنو من الصّنو ، والذّراع من العضد « 16 » .

--> ( 14 ) جشوبة العيش : خشونته وصعوبته ، يقال : « جشب الطعام كنصر وسمع - فهو جشب وجشب وجشيب ومجشاب ومجشوب - كفلس وفرس وطبيب ومحراب - : أي غلظ فهو غليظ أو بلا أدم . ( 15 ) تقممها أي التقاطها القمامة أي الكناسة . وتكترش : تملأ كرشها ، والكرش - على زنة الحبر والفلس - : هي لذي الخف والظلف وكل مجتر بمنزلة المعدة للانسان ، قيل : هي مؤنثة ، والجمع : أكراش وكروش . والاعلاف جمع العلف . وتلهو : تغفل . وسدى : مهملا . والاعتساف : ركوب الطريق - والدخول في الشيء - من غير مبالاة . والمتاهة : موضع الحيرة والهلاكة . ( 16 ) الروائع الخضرة : الأشجار التي لها ريعان ونعومة من أجل مجاورتها للماء والهواء الطيب . والوقود - كقعود - : الاشتعال . والخمود - أيضا كقعود - : الانطفاء . وقوله عليه السّلام : « وأنا من رسول اللّه كالصنو من الصنو » اعلام منه عليه السّلام وتصريح بأنه من رسول اللّه ورسول اللّه منه ، لأن الصنوان عبارة عن النخلتين يجمعهما أصل واحد ، فأصله عليه السّلام مع أصل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم واحد عنصرا وعلما وعملا ، وهو الذراع والعضد لرسول اللّه ، وبه أظهره اللّه على أعدائه .